صديق الحسيني القنوجي البخاري
438
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل : إنه من باب تغليب الإنس على الجن كما يغلب الذكر على الأنثى ، وبه قال الفراء والزجاج ، وقيل المراد بالرسل إلى الجن ههنا النذر منهم كما في قوله وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [ الأحقاف : 29 ] عن مجاهد قال : ليس في الجن رسل إنما الرسالة في الإنس ، والنذارة في الجن ، ونحو ذلك قال ابن جريج وأبو عبيدة ، وقيل التقدير رسل من أحدكم يعني من جنس الإنس . والحاصل أن الخطاب للإنس وإن تناولهما اللفظ فالمراد أحدهما كقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من الملح دون العذب ، وقال تعالى : وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 16 ] وإنما هو في سماء واحدة . يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي أي يقرأون كتبي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي ويتلونها مع التوضيح والتبيين ، والقاص من يأتي بالقصة ، وقد تقدم بيان معنى القص وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وهو يوم القيامة ، يقول اللّه ذلك لهم تقريعا وتوبيخا . قالُوا أي كفار الإنس والجن شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا هذا إقرار منهم بأن حجة اللّه لازمة لهم بإرسال رسله إليهم ، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا جملة معترضة أي لذاتها ومالوا إليها فكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة عليهم بالكفر . وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ هذه شهادة أخرى منهم على أنفسهم بالكفر في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم والآيات التي جاؤوا بها ، وقد تقدم ما يفيد أن مثل هذه الآية المصرحة بإقرارهم بالكفر على أنفسهم ومثل قولهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : 23 ] محمول على أنهم يقرون في بعض مواطن يوم القيامة ، وينكرون في بعض آخر ، لطول ذلك اليوم واضطراب القلوب فيه ، وطيشان العقول وانغلاق الأفهام وتبلد الأذهان . ذلِكَ إشارة إلى شهادتهم على أنفسهم أو إلى إرسال الرسل إليهم أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ المعنى أن اللّه أرسل الرسل إلى عباده ، لأنه لم يهلك من عصاه بالكفر من القرى والحال أنهم غافلون عن الإعذار والإنذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم كقوله : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] . وقيل المعنى ما كان اللّه مهلك أهل القرى بظلم منه فهو سبحانه يتعالى عن الظلم ، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء وقيل المعنى أن اللّه لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك فهو مثل قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الزمر : 7 ] .